سيد محمد طنطاوي
101
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال بعض العلماء : و « يجوز أن يكون الخطاب هنا شاملا للمؤمنين ، لأن عذاب اللَّه - تعالى - وإن كان الكافرون يستعجلونه ، تهكما به ، لظنهم أنه غير آت ، فإن المؤمنين يضمرون في نفوسهم استبطاءه ، ويحبون تعجيله للكافرين » « 1 » . وقوله : « سبحانه وتعالى عما يشركون » جملة مستأنفة ، قصد بها إبطال إشراكهم ، وزيادة توبيخهم وتهديدهم : أي : تنزه اللَّه - تعالى - وتعاظم بذاته وصفاته ، عن إشراك المشركين ، المؤدى بهم إلى الأقوال الفاسدة ، والأفعال السيئة ، والعاقبة الوخيمة . والعذاب المهين . وقوله : « يشركون » : قراءة الجمهور ، وفيها التفات من الخطاب في قوله « فلا تستعجلوه » إلى الغيبة ، تحقيرا لشأن المشركين ، وحطا من درجتهم عن رتبة الخطاب ، وحكاية لشنائعهم التي يتبرأ منها العقلاء . وقرأ حمزة والكسائي « تشركون » تبعا لقوله - تعالى - * ( فَلا تَسْتَعْجِلُوه ) * وعلى قراءتهما لا التفات في الآية . ثم بين - سبحانه - لونا من ألوان قدرته ، ورحمته بعباده ، حيث أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ، فقال تعالى - : * ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِه عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه . . . ) * والمراد بالملائكة هنا : جبريل - عليه السلام - ومن معه من حفظة الوحي . أو المراد بهم جبريل خاصة ، ولا مانع من ذلك ، لأن الواحد قد يسمى باسم الجمع إذا كان رئيسا عظيما . والمراد بالروح : كلام اللَّه - تعالى - ووحيه الذي ينزل به جبريل ، ليبلغه إلى من أمره اللَّه بتبليغه إياه . وقد جاء ذكر الروح بمعنى الوحي في آيات منها قوله - تعالى - : وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ ولَا الإِيمانُ ، ولكِنْ جَعَلْناه نُوراً نَهْدِي بِه مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا . . . « 2 » . والمعنى : ينزل - سبحانه - الملائكة بكلامه ووحيه ، على من يشاء إنزالهم إليه من عباده المصطفين الأخبار .
--> ( 1 ) تفسير التحرير والتنوير ، لفضيلة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ج 14 ص 97 . ( 2 ) سورة الشورى : الآية 52 .